أول مرّة


 لا أذكر جيداً، أو لربما لا أريد أن أتذكر تلك اللحظات. كنت أناهز الرابعة عشر وكنت تلميذاً في إحدى المدارس المرموقة في مدينتي. تعود بي الذاكرة الى ملعب المدرسة الواسع حيث كنت أتحّدث مع صديقٍ لي عندما اقتربت مني “ميريم” إحدى زميلاتي في الصف. كنت أشعر دائما بإنعجاب ميريم تجاهي، وهي التي لم تكن على استعداد لتفوت فرصة دون أن تبرز إهتمامها بي. كلمتني ميريم عن مجموعة من رفاق الصف كانوا واقفين على مقربةٍ منّا لتخبرني أنّهم يثرثرون ويقولون أنني ” Pédé”. للوهلة الأولى لم أستوعب معنى الكلمة، ساورني الشك ولكن رفضت التصديق، لم أدرك كيف يجب أن تكون ردّة فعلي أو ما الذي يجب أن أقوله، فحاولت الاستفسار منها

–          ما الذي تقصدينه أو يقصدونه بكلمة Pédé؟

–          إنّهم يقصدون أنّك تمارس الجنس مع أبناء جنسك، أيّ أنك تحب الرجال

كان وقع جوابها قاسياً، سمّرني للحظات. مرّة جديدة لم أجد الكلمات لأقولها وهي التي بنظراتها تحاول أن تتطالبني بتبرير أو بتوضيح أوبنفيٍ قاطع أقدّمه مع براهين أو حتى بمواجهة محتّمة معهم لأغسل عار التهمة الشنعاء. شعرت بوحدةٍ وببرودة في كل أنحاء جسدي ولم يكن لدي الخيار سوى مواجهتم. لم أكن في حينها أدرك الكثير عن المثلية الجنسية ولم أكن أعتبر نفسي مثلياً أو Pédé كما حلا لهم أن يسمّوني. لم أكن أعرف ما التبرير الذي يجب أن أشاركه معهم أنا الذي لم أمارس الجنس قط وأنا الذي كنت في حينها أنتظر رؤية ثديي إمرأة على شاشة التلفيزيون لكي أشعر بالهيجان فأنال لذةً بريئة. عند مواجهتم، لم أنل منهم سوى نظراتهم الخبيثة وعيونهم التي كانت تلمع كعيون الذئاب وضحكاتهم الساخرة على أمر لم تقترفه يداي على أمر لم أدركه، على أمرٍ، ولو حصل، لم يكن بالعار. حاولت دفع أحدهم مطالباً باعتذارٍ لم أفلح بالحصول عليه قبل أن أنهي الموضوع وأبتعد عنهم والحزن والغضب يختلجني.

تمالكت نفسي حتى وصلت الى منزلي ودخلت الحمام. وضعت وجهي في الزاوية الملاصقة للباب وأجهشت بالبكاء وبصمت. لم أكن أريد أن تسمعني أمي أو أحد أفراد العائلة. كانت الدموع تنهمر على وجنتي بغزارة مترافقة مع شهقاتٍ متقطعة وخوفٍ ورجفة في اليدين. حاولت البحث في هذه اللحظات العصيبة عن ما أثار حفيظتهم، عن ما جعلهم يسخرون مني ويعايرونني بما لا يدركه وجداني. حاولت أن أسمع نبرات صوتي لأرى إن كانت أنثوية بعض الشيئ أو أتذكر أي تصرفٍ إن كان ملفتاً أو غريباً. لم أجد شيئاً مقنعاً كان يسمح لهم بإهانتي. يومها لم أجد الجواب لم أعرف ما الخطأ الذي ارتكبته.

مرّت الأيام وآثار هذا الحادثة لم تزل، كونها كانت الأولى من نوعه. كانت الأولى من حيث مواجهتي للرهاب الفكري ضدّ المثلية الجنسية من قبل جهلة كما تجري العادة. هذا الرهاب الذي يحميه مجتمعنا بعلمانييه ورجال دينه والذي يغذيه بالتعدي على حقوق الانسان، وبإهانة المثليين والمتحولين جنسياً والذي ينقله بفخرٍ للأجيال المقبلة ليبقى أساساً في تراث العنصرية في بلادي وخوفاً دائماً مما هو مختلف وغريب. أنا اليوم فخورٌ بمثليتي وبحياتي المثلية التي بدأت باختبارها منذ حوالي خمس سنوات ولم أكن أدركها جيداً قبل عمر الثالثة والعشرين. أنا اليوم فخورٌ بأنني أمارس الجنس مع من هم من أبناء جنسي، مع الرجال. أنا فخورٌ أنني أقبل شفاه رجلٍ وأنني أحضنه، وأنني أتشارك معه لحظاتٍ حميمة. لم أعد أهتّم لثديي امرأة كما في السابق بل لقضيب رجلٍ أتلمسه بين يدي في لحظاتٍ مليئة بالشغف والإثارة. أنا اليوم على كامل الاستعداد لأواجه هؤلاء “الرفاق” مجددأً أو حتى غيرهم لأخبرهم عن مثليتي التي كانوا وعلى الأرجح ما زالوا يعانون من رهابها.

بلبناني Be Lebani

يمكنكم قراءة هذه التدوينة أيضاً على مدونتي الخاصة بلبناني على العنوان التالي www.blebnani.wordpress

Advertisements

About blebnani

Blebnani is a LGBT blog in arabic from Beirut, Lebanon بلبناني مدوّنة عن المثليين و ال م. م. م. م. مكتوبة باللغة العربية من بيروت، لبنان
This entry was posted in Equalathon and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s